وليد جنبلاط ... يقاتل وحيدا


 

وليد جنبلاط، الرقم الصعب، في الحرب، وفي السلم، وفي مرحلة إعادة رسم الخرائط، ليس من السهل تجاوزه، رغم الرغبة الدفينة لدى الكثيرين بإلغائه، فهو آخر الرموز التي تستطيع في ظل الإنهيار العام إستنهاض الشارع بالإتجاه الوطني مستندا الى إرث كمال جنبلاط، وتاريخه هو شخصيا في صناعة الحدث، وهو الأكثر قدرة على قلب الطاولة على الجميع بتغريدة لا يتجاوز عدد حروفها 280 حرفاً.

تصريحات زعيم الحزب التقدمي الإشتراكي حول مزارع شبعا لم تكن صدفة، فهي لم ترم خبط عشواء من تصب، وأعتقد أن البيك أراد أن يوجه من خلالها تحذيرا حقيقيا لحزب الله ففي عرف القانون الدولي ليس كافيا أن يصرح السفير السوري لدى لبنان علي عبد الكريم بأن هوية مزارع شبعا لبنانية، أو ان يصرح وزير خارجية النظام السوري بلبنانية تلك المزارع كافيا، فالمسألة تحتاج الى إعادة ترسيم للحدود اللبنانية السورية وتوثيق ذلك في الأمم المتحدة فمزارع شبعا (وهنا الخطورة التي يحذر منها جنبلاط) لا تخضع للقانون الدولي 425 الذي إنسحبت بوجبه إسرائيل من لبنان، فهو يخضع للقانون الدولي المتعلق بإحتلال الجولان من قبل العدو الإسرائيلي 242. 

هذا الموقف ليس حصريا بوليد جنبلاط فقبله صرح الرئيس عون بموقف شبيه بجنبلاط، من منفاه الباريسي:

ففي مقابلة له من باريس عبر محطة MTV اللبنانية سنة 2002 قبل عودته إلى لبنان، أعلن العماد عون حرفياً ما يلي عندما قال له المذيع: "نحن لا يزال لدينا جزء محتل لذلك لا بد من المقاومة".

فردّ عون: "أين هو الجزء المحتل؟".

– "مزارع شبعا".

فرد عون قائلا: "كذبة، وأنا مسؤول عما أقول، لا يمكننا تعديل الخريطة على مزاجنا، مزارع شبعا ليست لبنانية، وحتى ولو كانت الأرض لبنانية فهي مضمومة سورياً منذ زمن ولبنان سكت عنها، والحكومة اللبنانية لم تذكر مرة أن لديها أرضاً محتلة خاضعة لتنفيذ القرار 242، على العكس قالت أنا لست معنياً بالقرار 242، وليس لدي أرض محتلة، فلا يمكن أن تتراجع وتتبناها بعد تنفيذ القرار 425 وتقول أن لديها أرضاً محتلة".

أضاف: "وعلى افتراض أن سوريا تريد إرجاع الأرض لنا فلتتفضل وتعطينا وثيقة وفقاً للشرائع الدولية على أن هذه الأرض لبنانية وتحدد على الخريطة رقعة الأرض التي هي لبنانية في مزارع شبعا، وعندها فلتترك لنا المقاومة شرف تحصيلها".

 في ظل إعتراف أميركا بإسرائيلية الجولان، وتفاوض النظام السوري مع إسرائيل (الاعتراف بإسرائيل، والإستمرار بضمان حماية حدود إسرائيل في ظل عدم إطلاق النظام السوري طلقة واحدة على الحدود منذ تسليم الجولان لإسرائيل من قبل الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، مقابل بقاء النظام السوري)، وهذه هي القطبة المخفية التي كشفها وليد جنبلاط عبر إعلانه عن تبادل رسائل فيما بين رئيس النظام السوري والعدو الإسرائيلي، وهذا بالتحديد ما أزعج النظام السوري ودفعه لإعطاء أمر الهجوم على وليد جنبلاط، فهو يعلم أن وليد جنبلاط ليس عميلا لإسرائيل، وهو خاض معارك قاسية مع العدو داخل بيته عبر دفعه لدروز إسرائيل الى رفض الخدمة الإلزامية وتمسكهم بهويتهم العربية. كل ما سبق  يهدد بضياع تلك المزارع، ولتكريس شرعية الدفاع عنها من قبل مقاومة لبنانية، لا بد أولا من تثبيت هويتها اللبنانية بموجب القانون الدولي أولا، وهنا مربض الفرس.

يخوض وليد جنبلاط  معاركه بنفس طويل، فهو ينتظر جثة عدوه على ضفة النهر، وأتخيله يقرأ كتابا أثناء الإنتظار، متأملا الطبيعة مستذكرا وصايا المعلم الأول كمال جنبلاط، متقمسا عناده، والتزامه، بفارق وحيد وهو أن المعلم كمال جنبلاط إندفع نحو الشهادة بينما "الوليد" تمسك بالمناورة وإطالة عدد جولات المواجهة التي تمر بلحظات إنتصار ولحظات إنكسار، دون أن يؤدي ذلك الى دفع "أبا تيمور" الى الإنسحاب وترك الساحة للخصوم، وطبعا لا يعني ذلك أن الوليد ليس مقتنع بأهمية المواجهة التي خاضها الراحل كمال جنبلاط ضد نفس الخصوم إنما عدل إسلوب المواجهة حسب مقتضيات المعركة، فارضا على النظام السوري حرب إستنزاف طويلة المدى بإنتظار جثته على ضفة النهر.

تقلبات النائب السابق وليد جنبلاط السياسية، ليست عبثية، فهو يتنقل بمواقعه فيما بين الهجوم والدفاع، والمهادنة والمناورة، والتنازل بمقابل والمساومة، فللضرورة أحكامها. هدفه قيادة الدروز نحو "أفضل الممكن" محليا، فهو يقود السفينة بجو عاصف، دوليا، وإقليميا، ومحليا، ويعلم أن النظام السوري متربص به ويحلم بساعة الخلاص منه، فهو أكثر من أقلق هذا النظام، وأهانه، وكان موقفه الحاسم عشية 14 آذار أحد أهم أسباب سقوط النظام الأمني السوري اللبناني، وخروج الجيش السوري مهزوماً من لبنان، كان لسان حال وليد جنبلاط حينها، " إن عشت فعش حراً أو مت كالأشجار وقوفاً"، حتى في سوريا كان موقف وليد جنبلاط المساند للثورة السورية، هو الأكثر تأثيرا في الوسط الدرزي، فهم ولو لم ينتفضوا بكامل قراهم ومدنهم بوجه النظام، إلا أنهم قدموا نموذجا متقدما في المواجهة من خلال "شيوخ الكرامة" بقيادة الشيخ أبو فهد وحيد البلعوس، شيخ الكرامة الذي تم إستهدافه وقتله بعبوة ناسفة من قبل النظام السوري.

يعلم حزب الله مدى خطورة وليد جنبلاط، فهو الأبرع فيما بين السياسيين اللبنانيين بجمع الأوراق، ويعلم متى يجب طرحها على طاولة النقاش، ويتميز بإحتفاظه بشبكة واسعة من العلاقات الإقليمية والدولية والمحلية. وأكثر ما يخيف الحزب هو معرفته بمدى شراسة الدروز في القتال عندما يجد الجد، وتقتضي المرحلة ذلك، لذلك كله يحسب الحزب رغم صغر حجم البيك في المعادلات الإقليمية والمحلية له ألف حساب.

ما إنفك الحزب عن محاولات ترويض وليد جنبلاط تارة بالترهيب وتارة بالترغيب. العلاقة بينهما كالبورصة تصعد وتنزل إستنادا لأي معطى سياسي جديد، فالعلاقة بينهما تتسم بالمساكنة إلا إنها ولا مرة كانت تستند الى "الثقة"، بعكس علاقة جنبلاط برئيس مجلس النواب الرئيس نبيه بري، هي علاقة تستند الى الحاجة المتبادلة، وفهم ضرورة حماية بعضهما البعض، فكلاهما يعلم إنه مستهدف من قبل حزب الله والحزب يتعامل معهما على قاعدة "مرغم أخاك لا بطل" ولن يتردد بإلغاء كليهما عندما تحين الفرصة المناسبة، فكلاهما لهما بعدهما العربي الذي يقلق حزب الله ومن خلفه إيران، وكلاهما مقتنع بالحفاظ على ذلك الإمتداد والعمق العربيين، وهذا لا يناسب مشروع التمدد لولاية الفقيه، ومن هنا لا خوف على علاقة وليد جنبلاط برئيس مجلس النواب نبيه بري.

يستند الحزب في معركته مع وليد جنبلاط على مجموعة من الحلفاء المحليين على رأسهم حلفائه الدروز، النائب طلال أرسلان الذي لو لم يمن وليد جنبلاط عليه بمقعده النيابي عبر ترك منصب شاغر في لائحته، لما حلم المير المتحالف مع العهد والمستند الى عمالته للنظام السوري، بكرسي النيابة.  يستند الحزب كذلك على الوزير السابق وئام وهاب، فهو بوق لإطلاق الشتائم وبندقية مأجورة يستخدمها الإيراني، والسوري، وحزب الله، كل حسب حاجته، وتلك الحاجة دائما تكون نقيضا لمصلحة الدروز بالحد الأدنى وتجلب لهم الكثير من العداوات، فالدروز عرب وليسوا فرسا، ولا مصلحة تجمعهم مع ولاية الفقيه، ولا حماية لهم إلا بمحيطهم العربي، لذلك طلب جنبلاط من دروز سوريا الإبتعاد عن مساندة النظام، ودعاهم الى عدم خوض اي مواجهة مع المعارضة السورية. يعلم جنبلاط أن داعش هي صنيعة النظامين السوري والإيراني، وأن مجازر السويداء بحق الدروز من قبل داعش كانت بإيعاز من النظام السوري الذي فشل بتجنيد دروز سوريا ووضعهم بمواجهة أبناء وطنهم السوري، لذلك هو مطمئن ويعرف أن موقعه صحيح ولن يكون لا هو ولا الدروز شركاء في مقتلة الشعب السوري.

فريق رئيس الجمهورية ميشال عون لم يقصر في الهجوم على وليد جنبلاط، وهو يعمل على تجريده من إمتيازات الحكم، عبر فرض حصص درزية في الإدارة والوظائف والوزارات لأرسلان ووهاب، فلقد عين الرئيس عون الوزير صالح الغريب وزيرا لشؤون المهجرين بناء على رغبة النظام السوري، وبمعزل عن تفاهمه مع جنبلاط، لتسهيل أجندة النظام السوري في موضوع المهجرين وتعزيز الأجندة العنصرية لفريق الرئيس عون حيال اللاجئين السوريين.

صهر الرئيس جبران باسيل لا يكف عن نبش قبور الفتنة، فهو يريد أن يضع اكاليل الزهر على قبور مسيحيي مجازر 1860 التي وقعت بشكل متبادل فيما بين الدروز والمسيحيين في لبنان، باحثا عن نصر وهمي أمام جمهوره المسيحي وهو بكل مناسبة يظهر تعطشه للحرب فهو حينا يريد أن ينسي المسيحيين الرئيس الراحل بشير الجميل وحينا آخر يريد إسترجاع حقوق المسيحيين كما يدعي ولو بمعارك دونكيشوتية قد تعيد لبنان الى أجواء الحرب البغيضة. الفريق الوزاري للرئيس عون لم يقصر كذلك، غسان عطا الله وزير المهجرين في لبنان، والتابع للتيار الوطني الحر، قال في مقابلة له ضمن برنامج (صار الوقت)، "بعض المسيحيين يخافون النوم ليلاً في الجبل! هذه حقيقة واقعٍ موجود في الشوف!"

الأخطر في ما سبق كله هو سكوت حلفاء جنبلاط السابقين عن التعرض له، وعدم دعمهم له في موقفه بموضوع مزارع شبعا وبالتحديد القوى السيادية (تيار المستقبل وحزب القوات اللبنانية)، فالرئيس سعد الحريري الغارق بحضن جبران باسيل، والمتمسك بالتسوية السياسية مستعد حتى التخلي عن المحكمة الدولية ودم كل شهداء 14 آذار مقابل إحتفاظه بموقعه، والملف الإقتصادي. أما الدكتور جعجع فعينه على معركة الرئاسة ويعلم أن لحزب الله دور فاعل في تلك المعركة، هو وفريقه يتبادلون الغزل مع الحزب حول ملفات الفساد متجاهلين فساد الحزب في المطار والموانىء والمعابر الحدودية، وحماية تجارة الكبتاجون، وعلاقته مع جنبلاط ليست أولوية خاصة في ظل قانون الإنتخاب الحالي الذي نجح حزب الله والنظام السوري بفرضه على الحريري، ودعمه جعجع تحت أوهام إسترجاع حقوق المسيحيين، مما أدى الى إهتزاز إتفاق الطائف كمقدمة لإلغائه والسيطرة على كافة مقدرات البلد لصالح ولاية الفقيه وهو ما كان وليد جنبلاط قد حذر منه مرارا.

لو كان في لبنان بعض من الوطنية والوطنيين لوجب إلتفافهم حول وليد جنبلاط في هذه المعركة فالمنطقة تمر بمرحلة إعادة رسم خرائطها، ووليد جنبلاط رأس حربة في معركة الدفاع عن وحدة وعروبة لبنان ومتمسك بإتفاق الطائف ومن الداعين الى تنفيذه بحذافيره، وهو سيكون أكثر الناس سعادة لو ألغيت الطائفية السياسية يوما، بقانون إنتخاب عصري وطني على إمتداد الوطن وليس على قياس أشخاص ما كانت تحلم بكرسي النيابة لولا هذا القانون، فكيف بالأحرى بكرسي الرئاسة، وهو المشروع الأخطر الذي يهدد هوية لبنان العربية منذ إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.


عدد القراءات‌‌ 871

AM:11:30:03/05/2019


الاكثر مشاهدة